آل ابوعليان

عليان هو ذلك الشخص الذي نتسمى به و ننتسب إليه و نعتزي . وهو من نقصده حين نقول :

حنّا ضنى ليلى سلايل “عليان”

عدونا من كاس الأمرار نسقيه

هو أيضا من ينتسب له الآن ما يجاوز عدده الألوف من أبناءه و ذريته في المملكة و الخليج و العراق و الشام .و هو من قامت إمارة تحمل أسم العشيرة التي تنتسب إليه على مدى قرون من الزمان .

في الحقيقة عند إعدادي لهذا البحث المصغّر لم أجد تلك المعلومات الكافية من مصادر مكتوبة أو شفهية كافية لتكوّن موضوع كامل عن هذا العلم الذي بنى أول لبنة لإحدى المدن الكبيرة و المؤثرة في تاريخ الدولة السعودية و تمت لأبنائه السكنى و الإمارة فيها على مدى قرون و قد عرفوا بآل أبو عليان نسبة لذلك الرجل . و لم أجد من الروايات الشفهية حتى إلا نزراً يسيراً ، و قد أسعفني الشيخ عبدالله السابح -أطال الله عمره و هو المصدر الأساس للنبذة- حين قدّر لي رأيه في تاريخ حياة عليان في أحد المرات حسب ما يظن بأنه عاش ما بين القرن الثامن و التاسع الهجري .

تأسيسه لبريدة :

هذا الرجل برغم ما يشكل من أهمية لنا معرفة تاريخه و حياته إلا أننا لا نجد شيئا مثبتاً و مدوناً يروي لنا عنه . بل حتى مدينة بريدة لم يعرفها التاريخ إلا في عام 985هـ عندما ذكر المؤرخ ابراهيم ابن عيسى شراء راشد الدريبي لبريدة من ابن هذال . و هي مقولة أتى بها العلامة المحقّق إبراهيم بن صالح ابن عيسى رحمه الله ، و قال بها الذكير أيضاً المعاصر لابن عيسى ، و كلاهما لم يذكرا مصدراً لها و اشتهرت و بنى عليها الكثير من المؤرخين و الكاتبين في شأن بريدة حتى وقتنا الحاضر . و هي صحيحة في أمور و خاطئة في أمور .

صحيحة في أن راشد الدريبي نزل بريدة في هذا التاريخ و معه جماعة من بقية آل بوعليان في ثرمداء و قد تأمروا في بريدة حين قدومهم . و خاطئة في نقطتين . و هي :

*أن بريدة لم تكن موجود قبل هذا التاريخ .

*أن لابن هذال علاقة في نزول بريدة وهذا ما لم يذكره آل هذال شيوخ عنزة عن ماضيهم و وجودهم حينها في نجد ، بل إن عنزة لم يكن لها ذلك الوجود أو الإنتشار الذي قد يحسب لهم في القصيم كما حدث لاحقاً في القرن الثاني عشر حين عرفت عنزة كبادية للقصيم كله بوجودها على أغلب موارد المياه .

و قد رأى هذا الرأي عدد من المحققين المعاصرين و أولهم الشيخ محمد العبودي في معجم بلاد القصيم -الذي يعتبر من أهم المصادر التي دونت للقصيم و حققت في ما ورد فيه من مرويات و نبذ مهمة- حينما رأى عدم صحة هذا القول من عدة أوجه ألخصها :

1-انفرادهما بالنبذة و هما معاصرين و كلاهما سكنوا عنيزة . مما يقوي احتمال اشتراكهما في نفس المصدر الذي لم يذكر . بينما نرى الشيخ عبدالله بن بسام الذي دون اغلب ما كتبه ابن عيسى لوقوعهما على نفس المصادر لم يذكره .

2- رأى أيضا بعد نظره لتسلسل النسب بين راشد الدريبي و أحفاده أن الزمن التاريخي الذي حددته النبذة لا يماشي الواقع المعروف في الزمن بين الرجل و حفيده . و رأى أن هذا يقدح في نبذة ابن عيسى و روايته و يدل أيضاً على ضعف رواية ابن عيسى و حصول الشكّ فيها .

3- أورد أيضاُ أن تلك الفترة كان النفوذ فيه لبني لام [القبيلة الطائية المعروفة] في نجد و هو في القرن العاشر الذي ذكرته النبذة . مع ذكره لإحتمالية وجود عنزة على بعض الموارد في القصيم .

4- ذكرالعبودي أن المناطق المحيطة ببريدة كانت مسكناً مأهولاً مثل “الشماس” و “وهطان” و غيرها و حولها تكثر الكثبان الرملية . و قال بأنه ليس من المفهوم عقلاًً ان يتخير ابن هذال ماءً يقع في وسط ذلك المكان و في منطقة مكسوة بالرمال ليجعلها مورداً له وجود الحاضرة حوله و بقربه .

5-يقول أيضاً أنه لم يعرف و لم تجر العادة في نجد فيمن يهاجر من منطقة إلى أخرى بسبب حرب أو خروجهم من مكانهم بحرب أن يكونوا قد أخذوا من الأموال الظاهرة و النقود ما يمكن ان يكون قد تلف في حربهم أو سلب منهم . ثم يذهبون بما تبقى لديهم لشيخ قبيلة بدوية كي يشروا أحد موارد المياه في وسط منطقة مأهولة و غنية بالمياه و يمكن انباط المياه بسهولة في أكثر بقاعها !

و قد أفاد الشيخ محمد العبودي و أجاد في هذا البحث القيّم و ذكر بعد كلامه هذا السبب الذي يظنه قد أوقع ابن عيسى في الخطأ : أن القصيم عرفت بأنها بادية عنزة و اشتهرت بذلك لاحقاً و أصحبت كل الموارد تنتسب إليها مثل “الشقة” و “القرعا” . فليس غريبا أن يقال أن كل ماء هناك هو لعنزة .و أضاف أنه ربما عرف عن راشد الدريبي تحالفه مع ابن هذال بقصد تقوية نفسه و تحقيق بعض التمكين في المنطقة إن صحّ وجود ابن هذال في القصة .

اصح الروايات

و ختم حديثه في هذا الجانب : ((و خلاصة القول : أننا نرى أن بريده لم تكن مجرد ماء لإبن هذال باعه على راشد الدريبي في آخر القرن العاشر الهجري . وإنما كان مكانها و ما حوله معمورا مأهولا قبل ذلك التاريخ ، و أن الدريبي وجماعته جاؤوا إليها و سكنوها مع من كانوا يسكنونها كما كان يأتي إليهم غيرهم ويسكنونها . و لكن الجهل الذي كان غالبا على الناس في لعصور المظلمه التي امتدت من القرن الرابع حتى القرن العاشر هو الذي عمّى على الناس أمرها ، و جعلهم يجهلون تاريخ ابتداء العماره فيها كما جهلوا أشياء أخرى هامة من نواحي تاريخهم )) .

بذلك نرى أن الأستاذ العبودي قد قرر أن بريدة لا يمكن أن تكون اشتريت من آل هذال كما يذكر عنها نقلا عن ذلك المصدر . و قرر أيضاً أنها مسكونة قبل ذلك و لم يجزم إن كان الذي أتاها قبل ذلك التاريخ هو شخص اسمه راشد الدريبي بل افترض أنه قد يكون شخص غيره من آل أبو عليان . و لكن حينما عَـرف التاريخ بريدة كان أول ما عُـرِف منهم هو راشد الدريبي في بريدة .

ثم جاء الباحث الأستاذ سليمان النقيدان و قد أتى ببحث قيّم عن عليّان الذي اسماه عليّان التميمي . و درس فيه مسألة نشأة بريدة في تاريخ 985هـ و شراءها من آل هذال ، و ذلك عند تطرقه للحديث عن أقدم أسواق المنطقة و التي تنسب لعليّان و هو سوق عليان المعروف في بريدة قديماً. و رأيت أن أنقله لكم نصاً لفائدته :

“و القول بان (( آل هذّال )) هم أول من اختطّها و أقام فيها ، ثم جاء راشد و اشتراها منهم و عمّرها . هي أقوال قرأناها حتى حفظها الكبير منّا و الصغير .

ترى : هل هذا كل ما عند الناس عن تاريخ هذا البلد ؟! بمعنى آخر : هل وقف البحث عند هذا الحدّ ؟ و اقتنع الكاتب بما قدّم ، و القارئ بما قرأ ؟ … بالطبع : لا .

فإن هناك الكثير و الكثير مما لم ينشر ، و إن كنّا لا نجهل أو نتجاهل ما قام به الباحثون من دراسات كلّفتهم الوقت و الجهد ، و هم يشكرون على ذلك ، و لكنها لم تكن الغاية و الوصول إلى النهاية .

إن راشد الدريبي الأول قد دخل إلى قصر عليان عنوة حين وفد إلى بريدة في أواخر القرن العاشر الهجري و استولى على إمارته . وأصبح زعيم بريدة على جماعته و أبناء عمومته”

و أما موقع هذا السوق و حجمه و مساحته فقد ذكرها الأستاذ النقيدان في آخر بحثه هذا : ((السوق يمتد من عاير سوق القاضي شرقاً حتى باب السور الغربي بطول حوالي ستين متراً و هو اول سوق يعبر منه المارة في بريدة ، و يقع عليه قصر عليان قبالة محراب مسجد الجامع من الغرب . بقي أن نقول أن سوق عليّان هُدِمَ في سنة 1383هـ و أصبح جزء من شارع الملك فيصل في بريدة )) .

و أغلب المؤرخين لم يذكروا عليان و هجرته فلا يوجد مصدر يذكر لنا معلومة ، سوى ما يظنه المؤرخون من أن خروج العناقر من ثرمداء كان بسبب حروب بينهم أو نزاعات . و لم ترد لنا في سبب خروج عليان رواية تثبت هذا أو تنفيه . بل حتى في خروج راشد الدريبي كانت إشارة مقتضبة من ابن عيسى بذكره أنه خرج مع جماعته من ثرمداء على إثر نزاع مع بقية أبناء عمومته و جماعته المتبقين بثرمداء. و قد بحثت عن أشعار أو مرويات في هذا الشأن و لم أعثر ولعل الأيام تكشف لنا عن مزيد .

نسبه و جماعته :

آل ابوعليان ينتسبون إلى العناقر و واحدهم “عنقري” أو بلفظ أصحّ “منقري” . و هي نسبة إلى بني منقر من الأبطن المشهورة في “بني سعد” وهم بني سعد بن زيدمناة بن تميم . و كان منهم الصحابي المعروف المضروب به المثل في الحلم قديماً قيس بن عاصم المنقري(أبو علي) -رضي الله عنه- و هو صاحب الذكر في أيام العرب المشهورة كيوم الجدود الذي كان لبني منقر على بكر بن وائل و المشهورة عنه هذه الأبيات:

إني امرؤ لا يعتري خلقـي

دنـس يفنـده ولا أفــن

من منقرٍ من بيت مكرمـة

والغصن ينبت حوله الغصن

خطباء حين يقـوم قائلهـم

بيض الوجوه مصاقع لسن

لا يفطنون لعيـب جارهـم

وهو لحسن جـواره فطـن‏

و العناقر في ثرمدا هم أبناء عمومة يشتركون النسبة إلى هذا البطن ، مع المناقير في سدير و حائل الذين منهم الشيخ أحمد المنقور . و ثرمداء تقع في بلاد الوشم من نجد و تشتهر بلاد الوشم على أنها كانت من منازل تميم المعروفة و أكثرهم الرباب و بني امرؤ القيس . حيث كان امرؤ القيس ينزلون تلك النواحي و ذكرت كتب البلدانيين ثرمداء . فجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي أنها لبني سعد بن زيدمناة ، و ذكرها البكري أنها لآخرين و هم بني ربيعة بن مالك ، و ذكرها السكوني أنها لبني امرؤ القيس .و هذا الاختلاف سبّب وجود أكثر من قول في بقية امرؤ القيس . فوجد من أخذ بقرينة المنازل و قال ان العناقر هم بقية هؤلاء و منهم الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري(توفي 1373هـ) الذي ذكر هذا و لم يذكر استدلاله رحمه الله . بينما لا يؤيد هذا أي من المرويات و الموروثات لدى العناقر . و الكثير من العارفين بنسب العناقر لا يرون صحة هذا و أنه من قبيل افتراض الضدّ و الله أعلم . و قد سمعت من يذكر أن نزول بني منقر لها كان متأخراً جداً و كأنما ذُكر أنه في زمن الدولة العباسية و لم أعرف ما يكفي لعرض هذا القول هنا . و هذا لا يعني حصر بني منقر في من ذكرنا بل هناك فروع تميمية في العراق من بني منقر .

أعود و أقول : خرج راشد الدريبي مع أبناءه من ثرمداء و كانت عصبته هناك هم من بني عمه الذين لحقوا به لاحقاً على هجرات متعددة ، مثل : الدرابا و القاسم و الفرحة . حتى أن منهم من عاد إلى الوشم بعد خروجه إلى القصيم حسب ما يروى و لكن إلى أشيقر . مثل ال مناع الذين منهم المشلب و الشنبير و الرزازاء و المنيعي ، و الذي يوثّق هذا هو وقفية قديمة في أشيقر أوقفتها امرأة تسمى “رجاسة” على جماعتها الذين سمّتهم بــ”آل بوعلي” و كان نصّها :”على كل ‏من ينزل في أشيقر من آل علي رفاقة رجاسة ذكرهم وأنثاهم فيه بالسوية محصور على من نزل أشيقر منهم”و هي مجهولة التاريخ و لكن كاتب الوقف هو الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن بسام الذي عاش في القرن العاشر الهجري و بذلك يكون تاريخ هذه الوصية هو قريب من تاريخ نزول راشد لبريدة و هذا -برأيي- يؤكد وجود آل بوعلي في بريدة قبل وجود راشد و ربما أقول (ربما) كان رجوعهم هذا للوشم و لأشيقر تحديداً بسبب قدوم راشد لبريدة و استيلاءه على الإمارة و الله أعلم. 

و أما أهل ثرمداء الآن العناقر (ذرية خنيفر العنقري) فهم أبناء عمومة لجماعة عليان الذين كانوا يسمون “آل بوعلي” و أخوة لهم و ليسوا منهم و قد ذكر هذا الشيخ عبدالله العنقري و غيره من العارفين بالنسب من آل بوعليان . و من العناقر أيضاً آل معمر ذرية “حسن بن طوق” الذي خرج من ثرمداء في عام 850هـ كما يروي الشيخ عبدالله بن بسام إلى ملهم ثم اشترى العيينة .

في نهاية الموضوع لا أستطيع أن أعرف إن كنت قد استوفيت المادة حقها من البحث و لكن هذا ما تيسر لي طرحه و لن أتوانى في ألحاق كل ما يستجد لدي بإذن الله في هذ الموضوع أو في أي موضوع يفيد برأي آخر .. فإن كنت قد أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفس و الشيطان . و الله أسأل أن يلهمني الحق و الصواب حيث كان .

كتبة الاستاذ / حساب بن ثابت العسافي
———————————————

أبرز المصادر:

*عبدالله السابح

*معجم بلاد القصيم ، ج2

*نبذةالشيخ عبدالله العنقري بخط تلميذه ابن زاحم

* كتب البلدانيين : ياقوت “معجم البلدان” ، ومعجم البكري

*تاريخ ابن عيسى “عقد الدرر”

*العلماء و الكتاب في أشيقر

*تاريخ ابن بشر و سوابقه.

*من شعراء بريدة،ج2