الأمير راشد بن بن حمود بن عبدالله بن راشد الدريبي

شهرته

اشتهر الأمير راشد الدريبي رحمه الله بالدهاء و الشجاعة ، و له حوادث و وقائع كثيرة ، لا نعرفّ منها إلا الموثق في التواريخ النجدية ، و بعض ما يروى مع ملاحظة خلط البعض بينه و بين جدّه راشد الدريبي الأول . و له قصص تروى في وصف حكمه و دهائه منها ما رواه العبودي حين بناء سوره كما سيأتي في فقرة “سور راشد الدريبي” .

و هو صاحب تاريخ طويل مع أمارة بريدة ، حيث تولى إمرتها عدة مرات في وقت كانت فيه الأمارة محلّ نزاع بين الدرابا و آل حسن . و نجد أن المصادر شحيحة جدا في أخباره سوى بعض الأحداث الكبيرة . برغم وجود شهرة له و روايات شعبية تصف ما كان عليه من الدهاء و الطموح و الجسارة . و في الحقيقة هذا الموضوع لا أعدّه موضوعاً شاملاً اخذ حقه من البحث ، فلا والله لم يكتب إلا في عجالة و المادة تستحق من البحث وقتاً أطول و ليس هذا الموضوع إلا للتعريف به فقط و سيلحقه بقية الأمراء الدرابا بإذن الله قريباً . و أتمنى من أي أحد لديه إضافة أو تصحيح أن يبادر بهذا فلست كاتباً هذا الموضوع إلا لتحصيل أكبر قدر من الفائدة للجميع و جمع المتوفر عن الأمير راشد الدريبي .


ولادته ووفاته

لا أعرف مصدراً يذكر تاريخ ولادته أما وفاته فقد اشتهر أنه قتل على يدّ الأمير حجيلان بن حمد و ذلك بين سنتي 1190هـ -1196هـ . و هذا لم يذكر نصّاً في التواريخ النجدية ؛ حيث أنها لم تذكر عودة راشد الدريبي إلى أمارة بريدة في سنة 1190هـ حين قتل الأمير عبدالله بن حسن في وقعة مخيريق الصفا مع الإمام عبدالعزيز بن محمد آل سعود . بينما –كما أسلفت- معروف لدى رواة بريدة و العارفين بتاريخها و هو ما يؤيده بعض المحققين المعاصرين مثل الشيخ محمد العبودي أن الأمير راشد الدريبي عاد مرة ثالثة لأمارة بريدة بعد سنة 1190هـ و لكن حجيلان بن حمد استولى على الأمارة بعد هذا التاريخ و قبل حصار بريدة سنة 1196هـ الذي كان حينها حجيلان بن حمد أميراً على بريدة .



سور راشد الدريبي

و هو أشبه بحوائط تحيط ببريدة ومساحات شاسعة حولها ، و لم يكن هذا السور يحيط بالمنطقة العمرانية فقط كما كان السور السابق له او كسور حجيلان بن حمد بعده ، بل كان يحيط بالمنطقة العمراينة اضافة إلى المزارع و بعض الأراضي الفضاء حول بريدة و تقدر المساحة التي كان يحيط بها السور بأنها تزيد عشرة أضعاف على مساحة المعمور بالبيوت من بريدة في ذلك الوقت ، و يذكر أن الهدف من إنشائه كان لحماية المدينة و مزارعها من غارات البادية التي كانت تقطن حول بريدة في فصل الصيف(1)

و قصة إنشائه كما يذكرها الإخباريون: كان ابن سويط أمير الظفير يأتي مع جماعته من الأعراب إلى بريدة فيقطنون في وقت الصيف عليها ، ويطلبون من أميرها راشد الدريبي أشياء بحجة حمايتها من الأعراب الآخرين بمثابة الإتاوة. ويلحق بأهل بريدة ونخيلها أضرار كثيرة بسبب جفاء الأعراب، وكثرة ما تلحقه ماشيتهم من الضرر في النخيل والمزارع . قالوا : ولم تكن لدى الدريبي القوة التي يردعهم بها مواجهة فعمد إلى الحياة كعادته المعروفة عنه. فقال لكبير الظفير : إنكم أصحابنا وجماعتنا، ولكنكم لا تنزلون عندنا إلا في القيظ ثم ترحلون في بقية فصول السنة وتذهبون بعيداً في التماس الكلإ والرَّعي، فتأتي الأعراب من أعدائنا وأعدائكم فيلحقون بنا الضرر، ولا نستطيع أن نمنعهم، ونريد أن نبني سوراً حول بلدتنا بحيث تمتنع به من أذى من يريدون إيذاءنا . فنودَُ أن تساعدونا على بنائه، لأننا نملك الرجال الذين يستطيعون بناء ذلك السور إلا أنه ليس لدينا الدواب الكافية لنقل الطين والحصا اللازم لذلك. 
لأننا نريد أن يحيط هذا السور ببريدة وبنخيلها – وبعض الإخباريين يزيد : وبمواقع أغنام أهلها وأعتقد أن هذا فيه شيء من المبالغة. 
قالوا: فصدقه الظّفيري، وتم بناء السور الواسع الذي أحاط بمسافة تزيد عشرة أضعاف على مساحة المعمور بالبيوت من بريدة في ذلك الوقت. 
قالوا : وتم بناء السور، ودعّم بالأبراج التي تكفي للرجال المسلحين الذين تدعوا الحاجة إليهم في الدفاع عنه. 
قالوا : وعندما أتلى فصل القيظ، وعاد الظفيري إلى بريدة ليقيم عليها مع جماعته كما هو المعتاد خاف من مغبة دخوله في هذا الحصن المدعم بالأبراج ، فارسل رسولاً لراشد الدريبي يخبره بتخوفه ، ولكن الدريبي طمأنه بأن عاهده على أنّ أوّل بعير وآخر بعير للظفير يخرجان سالمين وهذا لفظ ظاهره أن الإبل كلها تخرج سالمة . وهكذا فهم منه الظفيري إلا أن الدريبي كان يقصد شيئاً آخر فأمر جماعته أن يتعرفوا جيداً إلى أول بعير يدخل إلى السور وآخر بعير يخرج منه. 
وتم ذلك . وعندما اكتمل دخول الإبل أغلق الدريبي أبواب السور ، وأمر من دخل من البدو إذا أرادوا النجاة أن يخرجوا بأنفسهم، وأن يتركوا إبلهم . أما من تخلف منهم فإن جزاءه كان القتل . واستولى الدريبي على تلك الإبل الكثيرة ماعدا البعير الذي دخل أول الإبل والبعير الذي دخل آخرها . قالوا: وبهذا تخلصت بريدة من نفوذ أولئك الأعراب و أذاهم .(2)

راشد الدريبي في نبذة الذكير

أتى الشيخ المؤرخ مقبل الذكير -رحمه الله- في تاريخه(3)
 بذكر آل ابوعليان في نبذة كان بها بعض التفصيل ، و لكنها ليست دقيقة و تحتاج إلى تمحيص و نظر . و كان قد بدأ بالأمير راشد الدريبي الأول ثم أخذ يذكر تعاقب الأمراء على بريدة حتى ذكر راشد بن حمود الدريبي بأنه لم يتأمر إلا سنة 1184هـ و ذكر فيها مقتل “ابن عمه” حمود الدريبي . كما ذكر أن الدريبي هو من تعاهد من الإمام عبدالعزيز بن سعود و أن آل ابوعليان ممن أجلاهم الدريبي قد أوعز لهم ابن عريعر[لاحظ أن المعاصر لهم هو عريعر بن دجين نفسه] بالذهاب معه إلى بريدة و السطوة فيها . و تفاصيل أخرى حين نطابقها مع التواريخ الأخرى نجدها غير صحيحة . و الصحيح ما تورده الفقرة التالية


توليه للأمارة

تولى الأمير راشد الدريبي في بريدة بتاريخ يسبق سنة 1182هـ التي قام بها مع الإمام سعود بن عبدالعزيز و الدريبي بغزو بلد عنيزة بوقعة حدثت عند “باب شارخ” (4) و هو أول اتصال لأمراء آل ابوعليان بآل سعود حسب ماتورده نبذة ابن عيسى في حين أن ابن بشر أخطأ هنا و ظنه حمود الدريبي(5) و قد رجّح الشيخ محمد العبودي أن يكون راشد الدريبي هو المعني بالدريبي بالنبذة التي وردت بسنة 1156هـ و حينها كان الدريبي رئيساً على بريدة(6)ثم قام عليه “آل ابوعليان”(7)
 في سنة 1184هـ و أخرجوه من بريدة . ثم عاد إلى الأمارة في سنة 1188هـ حينما أتى لبريدة مع عريعر بن دجين صاحب الأحساء و حاصروا بريدة و استدعوا أميرها عبدالله بن حسن آل أبي عليان ، فأستأمنهم و حضر لهم ثم أسروه و دخلوا المدينة و سطوا على الأمارة و أجلوا من آل ابوعليان من يخاف منه . ثم في السنة التي تليها أتى الأمير عبدالله بن حسن مع ابن سعود ثم بنوا قصراً تجاه بريدة فيه رجال رئيسهم هو عبدالله بن حسن . و بعد زمن من الغارات طلب راشد الدريبي الامان من عبدالله بن حسن فأمنه و ترك له الإمارة و خرج من بريدة . هذا ما تذكره التواريخ النجدية و لكن كما أسلفنا يبدو أنه في السنة التي تليها [1190هـ] حين قتل الأمير عبدالله بن حسن عاد راشد الدريبي إلى بريدة و تأمر فيها للمرة الثالثة . و قد أتت قصص و روايات لدى العبودي في معجمه أخذها شفهياً عن رواة في سطوة آل حسن على راشد الدريبي في المرتين(8).

“راشد الدريبي” في مصادر التاريخ


في سنة 1156 هـ :
اجتمع آل شماس أمراء بلدة “الشماس” ومعهم رشيد بن محمد رئيس بلدة عنيزة وعربان الظفير، وحصروا الدريبي في بلدة بريدة، ونهبوا جنوبي البلدة، ثم صارت الغلبة للدريبي وهزمهم .(9)
 
يقول العبودي : لم يصرح باسم الدريبي والظاهر أنه هو راشد بن حمود الدريبي، وهو رجل معروف بقوته وصلابته ، وقد قام بعدة أحداث تدل على ذلك ذكرها الأخباريون ، وقد قتله حجيلان ابن حمد آل أبو عليان واستولى على الإمارة.

سنة 1182هـ:
ذكر ابن عيسى أن الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود غزا ومعه راشد الدريبي رئيس بلدة بريدة وقصدوا بلدة عنيزة، ونزلوا بالقرب من باب شارخ وحصل بينهم وبين أهل عنيزة قتال . و لم يكن حمود الدريبي كما ذكر ابن بشر رحمه الله .


سنة 1184هـ :
سطا آل ابن عليان على ابن عمهم راشد الدريبي في بريدة، وأخرجوه منها واستولوا عليها . ذكرها ابن عيسى و ابن بشر .

سنة 1188هـ:
و فيها سار عريعر بن دجين آل حميد الخالدي، رئيس الأحساء والقطيف بالجنود العظيمة من الحاضرة والبادية وقصد بلدة بريدة ومعه راشد الدريبي وحاصرها . ثم أخذها عنوة، ونهبها، وقبض على أمير بريدة عبد الله بن حسن آل ابوعليان وجعل راشد الدريبي أميراً في بريدة ، ثم ارتحل من (بريدة) ومعه عبد الله بن حسن آل ابوعليان أسيراً، ثم مات عريعر ، وانطلق عبدالله من الأسر ، وسار إلى الدرعية. 

و قد ذكرها ابن عيسى و من قبله ابن بشر و من قبله ابن غنام . و فيها تفصيل لتلك الأحداث . و هذه رواية ابن غنام في تلك السنة : 
في سنة 1188هـ نزل عريعر بن دجين صاحب الأحساء وبني خالد مع بني خالد وعنزة على بريدة وأقام بها بعض أيام وهو يحاول في أهلها بالخديعة ولين الجانب، فجاشت لذلك قلوبهم فاستدعى عريعر أميرها عبد الله بن حسن للخروج إليه فاغتر بذلك وظهر ، فعند ذلك حجر عليه وأسر، فدخلت المدينة على حين غفلة من أهلها ، فجالت في البيوت أولئك الأعراب . ولم يجدوا أهلها لذلك مهرباً ، وشد راشد الدريبي لذلك إزاره وقصد في ساعته قصر الإمارة وكان قبل ذلك منه جالياً، وذلك البلد منه خاليا، وفر من يخاف من المسلمين على نفسهن وتفرقوا في البلدان، فكاتب عبد العزيز أهلها الذين خرجوا منها، وفروا هاربين وهم آل عليان أنهم يقبلون عليه ، ويقيمون عنده ، فأسرعوا إليه المجيء فأكرمهم بغاية الإكرام. 
وأقام عريعر في ذلك المكان بعض أيام وليال ، ثم سار منها، ومعه عبد الله بن حسن أميرها في حكم الأسير فنزل به الموت[يعني عريعر] في ارض “الخابية”. 


سنة 1189هـ :
ذكر ابن بشر أن الإمام سعود بن عبد العزيز غزا وقصد (بريدة) ومعه آل أبي عليان الذين خرجوا منها . فشن الغارة عليهم و لم يخرجوا إليه واحتصروا و أعيا سعود أمرهم و رأوا أن يبنوا تجاههم قصراً ، فبناه و وضع فيه رجال رئيسهم عبدالله بن حسن آل ابوعليان ، ثم رجع سعود إلى وطنه. وأقام أهل القصر يغادون أهل بريدة ويراوحونهم الغارات. و أقام أهل بريدة أياماً لا يسرح لهم سارحة ، فبعث أمير البلد راشد الدريبي إلى جديع بن هذال(10)
 يستنجده ، فلم يجد عنده طائل ، فلما أثخنه الحصار و الضيق أرسل في طلب الأمان لنفسه من عبد الله آل حسن ، فأعطاه الأمان فخرج إليه ودخل عبد الله آل حسن، ومن معه بريدة وملكوها.

بقيّته

للأمير راشد الدريبي بقية الآن يعرفون بـ ( الـراشد ) و قد رأيت هذا في شجرة نسبٍ لهم حيث يصلون نسبهم في آخر الشجرة إلى الأمير راشد بن حمود بن عبدالله بن راشد الدريبي –رحمهم الله- ، و هم أسرة من أكثر أسر آل ابوعليان في الوقت الحاضر عدداً . منهم رجال علم و مثقفين و دكاترة . يسكنون بريدة و قد انتشروا منها إلى عدد من مناطق المملكة بعد تطورها و انفتاحها . كما قرأت لدى أسرة العياضي في جلاجل من قرى سدير انتسابهم لراشد الدريبي أيضاً .


الكاتب: حسان بن ثابت العسافي

———————————-

1- بريدة نموها الحضري و علاقاتاها الاقليمية 2: 63، 64
2-القصة وردت في معجم بلاد القصيم 2: 487
3-و هو المسمى مطالع السعود في تاريخ نجد و آل سعود
4-تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد 113
5-عنوان المجد 1: 106
6-معجم بلاد القصيم 2: 503
7-هكذا يذكرها ابن عيسى و ابن بشر و إلا فالجميع من آل ابوعليان و المقصودين هم جماعة آل حسن 
8-معجم بلاد القصيم 2: 504 ،509
9-ابن عيسى في تاريخ بعض الحوادث
10-جديع بن منديل بن هذال من الحبلان من الجبل من العمارات من ضنا بشر من عنزة ، فارس مشهور يلقب براعي الحصان . قتل في مناخ كير سنة 1195هـ ، و هو زوج الشاعرة مويضي الدهلاوية من أهل الرسّ .

Add a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *